Monday, November 18, 2013

اعترافات إله ترابي

مقدمة خاصة جداً:

أشياء كثيرة في هذه الحياة تستفزني وتستنهضني ..
ولكن أشياء قليلة جداً تلهب فيّ البراءة الأولى .. المحبة الأولى .. الاعترافات الأولى

رغم أن غرفتي التي تكتب فيّ تحمل هي الأخرى كم هائل من الاستفزاز .. فلوحات ناجي العلي التي أمامي .. فنجان القهوة الساخن  .. صوت الأطفال في الشارع .. دفء العائلة .. ضوضاء الرفاق .. شـِعر مظفر النواب .. يقظة الليل .. صوت العود .. وكتابي المقدس المتربص بي دائماً كل هذا يجعلني أعترف .

أعترف أنا أعترف كترابي يشتهي القداسة والكمال والتأله والإنسانية ! 
فتجسـُد السماء يفضح الأرض !!..
يـُعري ويكشف كل محاولتها نحو الصعود إلى السماء ..
هل كانت الأرض صادقة ومخلصة ؟!
وإذا كانت صادقة ومخلصة فكيف تقف صامتة كالصنم أمام تجسد السماء ؟!

أمام عمانوئيل ( الله معنا ..  الله هنا )
أمام هذا السر .. سر التقوى الذي ظهر في الجسد .
يعترف هو .. يعترف إله سقراط وأفلاطون وأرسطو ( ومن على شاكلتهم !! )
إنه يشتهي أيضاً القداسة والكمال والتأله .. وأيضاً الإنسانية !!

إنه يعترف أنه المحرك الأول .. والعلة الأولى .. والمبتعد الأول .. والمنفصل الأول .. والسلبي الأول .. والعدم الأول .

خلق الكون والإنسان وقبل اليوم الأول استراح .. أخذ المبادرة الأولى في الانفصال ( قبل السقوط سقط !! ) .. أخذ السماء بوضع اليد فامتلكها لأنها مكاناً للراحة والرفاهية .. وترك للإنسان الأرض حيث القلق .. والوحدة .. والعرق .. واليأس .. والحزن .. والعبث .. والألم .. وبعد كل هذا العمر المنهك يا إنسان يحتضنك الكفن .. أو تحتضن أنت الكفن .

( فريسة أنت أيها الإنسان .. فريسة شهية ومستساغة ، قربان للجميع .. للفقر .. للجوع .. للوحدة .. للإثم .. للآخر .. وحتى لهذا الإله الأفلاطوني !! )
فعندما يأخذ الإله المبادرة بالانفصال والتعالي ، فالانتصار حتماً سيكون للعفن .. نعم للعفن .

فإله أفلاطون وأرسطو يعشق برجه العاجي .. يجلس فيه متكبراً لا يبالي بنا .. وبآلامنا .. بآثامنا .. بموتنا !!
وأمام كبرياء أفلاطون وإلهه المريض ……

كان كبرياء الإنسان متمثلاً في قول ( أبيقور ) :
( ليس هناك ما يخيفنا من الآلهة .. الموت لا يستحق أن نقلق لأجله .. ومن السهل بلوغ الخير .. ومن السهل تحمل المرعب ).

فعندما يكون الإله بهذا الشكل .. لا تنتظر غير الإثم والأنانية والكبرياء المزيف من الإنسان .. الإنسان العاقل الذي سوف يجيبك إجابات ( ثيرامينيس ) النعل الأسطوري الذي يناسب أي قدم .. وأي سؤال !! ( هذا النعل الذي استخدمه قديماً إله أفلاطون !! ومازال يستخدمه الإنسان!! )

ولم يصمت الإنسان بل حاول الصعود لهذا البرج العاجي .. لهذا الوهم العالي ، وضل الإنسان ، وحاول الصعود على جبل الأولمب ورؤية الإله .. فلم ولن يرّ شيئاً .. فنزل أكثر حقداً .. أكثر نهباً .. أكثر كـُرهاً .. أكثر شكاً .. أكثر كـُفراً .. أكثر شراً !!

( ومن يصدق أن هذه الثمار هي حصاد لرؤية إله !! أي إله؟!! )

ولذلك فضل الإنسان البقاء أسفل جبل الأولمب.. لا يريد أن يصعد ولا يريد رؤية هذا الإله لعله يحمي بصيص النور الذي فيه .. لعله يحافظ على التراب الذي فيه من شبق هذا الإله الترابي.

ولذلك قال ( بوذا ) قبل أن يموت :
كل ما هو مخلوق محكوم بالزوال ، لذلك فلنعمل لخلاصنا

كيف نعمل لخلاصنا يا بوذا وهذا الإله في برجه العاجي ؟!
كيف نخلص ذواتنا ونحن المحتاجون والجوعى للخلاص ؟!
ماذا تنتظر من قيادة أعمى لأعمى ؟!

وبدون نور كيف نرى ؟!
من سيفدينا ونحن جميعنا خطاة نحتاج للفداء ؟!
كيف ولماذا يتأله الإنسان بدون إله يتأنس ويكون لنا الطريق والحق والحياة ؟! ..
بدون تجسد السماء لم ولن نتمكن من الصعود ، حيث الإله الحقيقي .

وتستمر الآلهة الترابية في الكذب والإدعاء بلا أي شعور بالحياء أو الخجل ، وتعلن الوجه الآخر للعملة المزيفة ، وجه الاقتراب والإلحاد إلى درجة الامتزاج مع الكون والطبيعة والإنسان ..

وبهذا الاتحاد صرنا نحن آلهة !! ( يا للعجب .. آلهة ) ..
ما أتعسنا آلهة .. ما أضعفنا .. وما أحوجنا .. من يصدق ؟! نحن الترابيون آلهة !! ..
نحن المائتون آلهة !! .. مع إننا لم نقترب ولم نمتزج بل ابتعدنا أكثر حيث الإدعاء الكاذب هناك تسكن النتائج الكاذبة -!!

لأجل ذلك .. فتاريخي الترابي يجعلني أدقق النظر في كل شيء ..  أمتحن كل شيء .. اعترافاتي واعترافات الآخرين .. وحتى اعترافات الآلهة .

فإن امتحاني وفحصي وشكي المخلص والعادل لكل شيء ، كشف لي الكثير من الحقائق ، وجعلني أعرف أن كثيراً من الآلهة يحمل هذا اله الآخر للإنسان .
( إسقاط الإنسان .. جوع الإنسان .. ضلال الإنسان .. اشتهاء الإنسان )  

ولذلك ما أن تضع اعترافاتي أو اعترافات هذه الآلهة أسفل ميكروسكوب الفحص والنار ، تكتشف إنها اعترافات ترابية لآلهة ترابية .. تخطأ وتصيب .. تكره وتحب .. تشتهي وتخور .. تفنى وتحترق كالقش .

ولذلك فاعترافاتي واعترافاتك يا إله أفلاطون .. وادعائي وادعائك .. وكلامي الجميل وأنا في كهفي الأرضي ، وكلامك الجميل وأنت في برجك العاجي .. كل هذا لا يشفي .. لا يحرر .. لا يغير لا يخلص .

الحب الحقيقي وحده هو الذي يـُخلـِص ..
من يسكب المحبة في قلوبنا فيجعلنا نحب الأعداء والخطاة ، هذا وحده يـُخلـِص ..
من يجعلنا أبنائه وليس عبيده فهذا وحده يـُخلـِص ..
أن تحزن معنا هذا يـُخلـِص ..
أن تحلم فينا ومعنا هذا يـُخلـِص ..
أن تعرق معنا هذا يـُخلـِص ..
أن تبدع معنا هذا يـُخلـِص ..
أن تتألم معنا هذا يـُخلـِص ..

أن تفرح معنا هذا يـُخلـِص ..
أن تموت عنا وتفدينا هذا يـُخلـِص ..
أن تثور معنا وتحررنا هذا يـُخلـِص ..
أن تخلـِّدنا معك هذا يـُخلـِص ..
أن تكون غير ترابي وغير شيطاني وغير صنمي فهذا يـُخلـِص ..
فهذا هو الإله الحقيقي الوحيد القادر أن يـُخلـِص ..
وهو الوحيد الذي لا يخاف أبدأً من بحثك المـُخلص ..
وشكك العادل .. وسؤالك الجريء
وهو الوحيد الذي حيـَّر العالم ..
وهو الوحيد  الذي يـُحيـّرك ..

وهو الوحيد القادر أن يـُغيـِّرك .

No comments:

Post a Comment