Monday, November 18, 2013

ماذا أعطى يسوع لتلاميذه لكي يتبعوه


سؤال بسيط جداً .. على ما أظن أنه خطر على بال ملايين من البشر .. أطفالاً كانوا أم حكماء
سؤال بسيط .. ولكن إجابته كم هي محيرة

إنسان في شبه الناس .. ثلاثون عاماً ينمو على مسرح الحياة ..
تراه وكأنك لا تراه .. تصغي إليه وكأنك لا تسمعه ..
تشم رائحته وتلمس أثوابه ..
تتخبط فيه وأنت في خـِضَّم الحياة ولا تذكره

ثلاثون عاماً في حالة من الاحتجاب .. في بحر النسيان
هو موجود وغير موجود .. نافع وغير نافع  
إكسير الحياة لم تقدر أن ترصده الحياة
كالهواء هو .. بدونه موتى نحن

ولكن من منا يعطيه حقه ؟؟


ثلاثون عاماً .. في خفاء الحضور .. وحضور الخفاء

لا لون له ولا طعم .. ولا رائحة
كالماء هو ..

وفي الزمن الذي اختاره .. خرج .. وُلد .. استـُعلن

من أحشاء حضور الخفاء .. إلى حضور الحضور

من أحشاء العذراء العروس

الذي كان في شبه الناس .. أصبح الآن أبرع جمالاً من كل بني البشر
أصبح الآن في أعيننا بعد أن انشق الحجاب عنا .. وكأننا نراه لأول مرة

هل هذا بحق ابن يوسف النجار الذي نعرفه ؟!
المألوف قد انكسر .. وحواسنا العاجزة قد انفض عنها قرون الغبار
من لم يسمع أحد صوته .. سمعناه
ليس فقط بهذه الأذن الملتصقة على ضفتي الرأس ..
بل بهذه الأذن التي تسكن مسام أرواحنا .. كياننا

كان صوته غير كل الأصوات
كانت حروفه .. كلماته .. أبجديته
تفعل فينا فعل أقوى من السحر ..

المريض منا كانت تشفيه بدواء ليس من هنا
والعاجز منا كانت ترفع قامته .. هامته ..
تجعله كالفارس منتصباً .. منتصراً على عجزه
والأسير من نفسه أو من غيره .. كانت حروف النار
تحرق كل أغلاله .. كل زيف الأسر وضلاله
تجعله حـُراً .. طليقاً .. لا يمكن أن يُروّض بعد الآن
لن يكون عبداً بعد الآن
سيكون فقط طيراً محلقاً ..  ابناً خاضعاً
فراشة لا تعرف من الأنهار غير النهر الذي لا يُعبـَر

رائحته .. ما أدراك ما رائحته
ثلاثون عاماً لا أعلم كيف حـُرمنا منها ؟
كيف لم نكتشفها ؟؟

مَن أبدع كل روائح الكون الطليقة
ها هنا بيننا .. في وسطنا
نسكن في محضره .. وهو يسكن قلوبنا

يا رائحة الحياة والخلود ..
كم عظام وجماجم وهياكل ميتة .. قامت
عندما تسربت رائحتك بوداعة ولطف وعفوية
دون اقتحام أو اغتصاب ..
لتدب في أرواح الموتى حياة .. وخـِضَّم حياة ..
لتـُعمـِر أنقاض الكيانات المهزومة
لترافق وحشة الذات المنبوذة
لتطلقها صحيحة في الجمع

ثلاثون عاماً حُرمنا منك
أم كنت تفعل فينا فعل الإعداد ؟
تحرث أرواحنا .. لتبذر فيها بذار الحب
فتـُضاء عتمة ذواتنا بنورك

بنورك نقدر أن نرى .. أن نعرف
بنورك نرى نوراً
نـُعرَّف كما عـُرفنا

قبل الثلاثين كنا ننظر في مرآة .. في لغز
كنا نعرف بعض المعرفة عنك .. وعنها
ولكن بعد انشقاق الحجاب .. أصبح السر سرائر
وصار الاثنان واحداً .. وتمت المصالحة

لم يعطنا جواهر أو أموال لكي نتبعه
وكيف يعطي من لا يملك شيئاً
الفقير السرمدي
الذي أعطى كل شيء منذ البدء

يا غني الكينونة .. وفقير الأشياء

وكيف تعطي وأنت لم تكن تملك مكان تسند فيه رأسك
ولكن أعطيتنا صدرك .. هذا البراح الذي ما زال يحتوي
كل رؤوسنا المتعبة وثقيلة الأحمال

الذين يملكون المال ما أكثرهم .. من يملكون الماء المالح لا يرتوون
تلاحظهم في أبراجهم جوعى .. في قصورهم المكيفة جوعى
الخزائن الحديدية لا تشبع .. تصدأ فقط

وأسأل سؤالاً يحيرني
كم غني تبعك غير هذا الغني الغبي ؟!

وهل كل غني تبعك طلبت منه أن يبيع كل ما لديه ؟
أن يخسر أمواله لكي يتبعك ؟
وهل حقيقي أن دخول جمل من ثقب إبرة ..
أيسر من دخول غني إلى فقرك الاختياري ؟
سؤال مازال يـُحيرني

ولكن أرى إجابته تنهار عليّ في وقت إشراق نورك
" بنورك أرى نوراً "
فأنا رأيت مثلك أغنياء كثيرين لم يخدموا سيدين
لم يعبدوا سيدين .. لم يشركوا
لم يشركوا معك أحد
مال كان .. أم أولاد
أم ذات كالهاوية لا تشبع

وعلى ما أظن سيدي .. حبيبي
أن الأغنياء المشركين هم فقط الذين يخسروك ..
والفقراء المشركين أيضاً يخسروك 
الذي يخسرك يخسر إلى الأبد نفسه
وما الفائدة لو ربح الواحد منا العالم بكل ما فيه وخسر نفسه ؟؟
ما الفائدة ؟؟

الفائدة ..
العطش الذي لا يُروى
الشهوة التي لا تنطفئ
الآبار التي لا تضبط ماء
والعيون التي لا ترى
والهاوية الباردة المخيفة
والوحدة العنيفة
التي تخنق كل لحظاتك .. أنفاسك .. أحلامك
التي تـُميتك ببطء .. حيث الانتحار الذاتي
انتحار بلا إنكار يهوذا
بلا لعنات بطرس
بلا تجديف المجدفين
انتحار بلا صوت
انتحار لحظي .. يومي

" والتاريخ يشهد .. انتحار الأفراد اليومي يلد انتحار أمة أبدي "


ماذا أعطيت لتلاميذك ولنا لكي يتبعوك ونتبعك
كنت تنظر إليهم .. تنظر لأحد ما في عينيه
فيترك ما في يديه .. بل كل ما يشغل كيانه ويتبعك
ماذا رأى في عينيك ..

ما الذي جذبه نحوك ؟
أعرف أنك أنت النور ..
ولكن أعرف أيضاً أنهم لم يكونوا يوماً فراشات
هل تم تنويمهم تنويماً مغناطيسياً
كيف .. وكلاً منهم كان أكثر الناس صحوة في هذه اللحظة بالذات

أنا أعرفهم ..
لحظة اختيارهم أن يتبعوك 
عندما مررت عليهم .. علينا
كان هذا أكثر الأيام يقظة .. ووعياً .. ووضوحاً في الرؤية
كانت إرادتهم وإرادتنا
كإرادة آدم في الجنة
حرة .. محايدة .. بريئة
غير مـُثـقلة بالهموم .. وغير مُخترقة بالشهوات

انشق حجاب العمى عن البصيرة ..
صرنا نبصر ..
صرنا أحرار ..
صرنا نختار ..

ماذا أعطيتهم .. وأعطيتنا
ليس مخدراً .. ولم تـُرَّغـِبنا في كنوزاً أبدية
ولم نتبعك ونحن تحت التهديد
حيث الترهيب الغاشم
والدود الذي لا يموت والنار التي لا تنطفئ

لا .. لم تفعل هذا ولا ذاك
لم يجذبنا الشِـرك .. حبيبي
لم نعبد معك جنة
ولم نهرب في حضنك من نار
لم نـُشرك بك
لم نـُشرك بك كنز أرضي .. أو كنز سماوي
ما يقدر أن ينخره السوس .. وما لا يقدر أن ينخره
سيان في أعيننا
الأرض وما عليها .. والسماء وما فيها
لا تـُقارَن بك ..

فالفردوس ما أبشعه بدونك
والهاوية ما أجملها بك
والغنى ما أفقره بدونك
والفقر ما أغناه بك
والصحة ما أهونها بدونك
والمرض ما أقواه بك
كيف نـُشرك بك
فنحن لا نعرف أن نختار
إلا بين الكفر بك والإيمان الكلي بك
الشرك منطقة وسطى
بين المعنى واللا معنى
بين الحار والبارد
بين الوجود والعدم
مكان الغثيان .. وخفافيش الليل
والعناكب المرذولة
منطقة الانتحار اليومي


No comments:

Post a Comment