Sunday, November 17, 2013

اصنعوا هذا لذكري .. أي ذكرى صنعتم



ولما كانت الساعة اتكأ والاثنا عشر رسولا معه.
وقال لهم شهوة اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألم.
لأني أقول لكم إني لا آكل منه بعد حتى يكمل في ملكوت الله.
ثم تناول كأسا وشكر وقال خذوا هذه واقتسموها بينكم.
لأني أقول لكم إني لا أشرب من نتاج الكرمة حتى يأتي ملكوت الله.
وأخذ خبزا وشكر وكسر وأعطاهم قائلا هذا هو جسدي الذي يبذل عنكم.
اصنعوا هذا لذكري.
وكذلك الكأس أيضا بعد العشاء قائلا
هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي الذي يسفك عنكم. [1]

اصنعوا هذا لذكري .. قالها لتلاميذه في العشاء الأخير منذ ألفي عام ومازال يقولها لنا
والسؤال المـُلح .. أي ذكرى صنعتم .. أي ذكرى صنعنا ؟!
تبعوه بلا آذان تـُصغي
 وبلا عيون ترى
وبلا هبوب ريح عاصفة
علقوا صورته على جدران بيوتهم .. وحوائط صدورهم
وتم طلاء الصليب - ذروة التواضع- بماء ذهب الكبرياء
وكؤوسه المـُتخمة بخمر تعظم المعيشة
الفارغة من خمره المـُعتق بالحب والعرفان ..
ذكرى دم الحــُب المسفوك لنا وعنا وفينا
أصبح أيقونة يـُضاء لها الشمع في أوقات الحاجة  .. لشحاذي السماء

اصنعوا هذا لذكري .. أي ذكرى صنعتم ؟!
ترنيمة للذكرى الخالدة .. وصلاة من الشفتين ساذجة ومتكررة
وتوبة ببغاء يـُكرر التوبة بالباطل كالأمم كشرط لإستحقاق التذكر الشكلي الذي بلا جوهر
لاستحقاق الذكرى الخالدة التي لم تعد تعنينا بحق
البعيدة عنا بـُعد المشرق عن المغرب
بـُعد برج بابل عن غسل الإله لأرجل حوارييه
بـُعد أنانية شجرة المعرفة عن حـُب شجرة الحياة

ذكرى لرحايا روحية تطحن قمح غيبي ضبابي دنكيشوتي لا يـُشبـِع ولا يـُروي ولا يضبط ماء
ولا ينير حتى أركان طيف الأفق الضيق
ولا يـُملِح متر من فدان في أرض السقوط
يترك الملعب والعالم للجراد ليأكلوا براعم الخضار بكل يـُسر وسهولة

ذكرى لصوت يعلو بالصراخ فقط في كهف الكنيسة البارد جداً
ليطرح إبليس تحت الأقدام في اجتماع الأحد الأفيوني 
ليـُطلقه حراً طليقاً يجول في براح العالم مـُلتمساً من يبتلعه أو يصيبه في مقتل
مـُلتمساً من يضله ولو أمكن المختارين المولدين من فوق

أي ذكرى صنعتم .. غير الهتاف المبحوح الجبان
غير العشور بشـُح .. والعطاء المشروط بالأخذ
حيث نرجسية ثـقل المجد الأبدي الأناني
ونرجسية الخلاص التي تبدأ من الفرد وتنتهي بالطائفية العمياء ..
" ما أتعس الأبدية بدون أنسبائي "
تعصب أعمى يقود أعمى
تعصب لا يـرى ولا يدرك أن من يجمع معه لا يفرق لا يشتت لا يخاصم لا يحارب لحم ودم
وأن حول العرش من كل قبيلة وأمة ولسان [2]
وأن جسد يسوع أجمل ما فيه ثراءه وتعدد ألوان طيفه .
فمن يقدر أن يدَّعي أنه يمتلك اللامحدود .. يمتلك المُطلق
من يقدر أن يدعي أنه كلي العلم .. كلي المعرفة
من يمتلك الحقيقة المطلقة .. ويحتكرها
من ورث صكوك الغفران .. فليرينا توكيل السماء له وصحة توقيع الإله في الشهر العقاري
أي ذكرى صنعتم ؟!
والعالم مازال أكثر فساداً .. أكثر شراً .. أكثر دماراً
أكثر حروباً .. أكثر جهلاً .. أكثر مرضاً
أكثر أنانية .. أكثر فراغاً .. أكثر عبثاً .. أكثر ضلالاً .. أكثر بطلاناً
أي ذكرى صنعتم .. والحياة ليست أفضل
الحياة أقبح بنا
أي مرآة عكست مجده .. حريته .. سلطانه
أي سفراء نحن ؟!
أين مجاهري الحُب والحرية والطريق والحق
أين صوت من لا صوت لهم
أين من رأأأأأأوا عرياناً .. فكسوه
تحننوا عليه قبل أن يكسوه غطاء
أين من رأوا مسجوناً فأطلقوا روحه حـُرة قبل أن يكسروا أغلاله
أين من رأوا فقيراً .. فأغنوه جوهراً ومظهراً

فها العطشى في كل مكان يصرخون اعبروا إلينا وأعينونا
فلا سامع مرهف الحس ولا فاهمون يضيئون ولا أحشاء تحنن ولا كلمة تـُرسَل فتشفيهم
أي ذكرى صنعتم ؟!
غير استعلاء ببريق البياض المستورد من السماء أو من الصين
غير تكبر الإدانة والحُكم على العالم أنه وُضع في الشرير
وكأنهم بالآيات الكتابية يبررون تقاعسهم .. أنانيتهم .. تخاذلهم .. بُخلهم ..
 بالنور الذي أخدوه مجاناً
فامتلكوه .. وسجنوه تحت سجن المكيال الفقير الصديء
وملأوا مخازنهم بالملح ففسد .. وتركوا الأطعمة في الخارج بلا طعم ولا لون ولا رائحة
وجلسوا في مدرجات الرجم يرجمون أو يشاهدون مصارعة الإنسان للإنسان
يشاهدون الخـُطاة يهلكون كل لحظة وطرفة عين
وهم في تعزياتهم هائمين
وفي تسبيحاتهم حالمين
وفي روحانيتهم فارغين
يشاهدون العالم يتسابق في ماراثون نحو الهاوية
وهم جالسون يتقاتلون على خدمة هنا .. أو سبوبة هناك
شكاية هنا .. أو نميمة هناك
استعلاء روحي هنا .. وطائفية هناك
أي ذكرى تصنعون ؟!
أي ذكرى خالدة يا من تدّعون أنكم أولاد أبيكم أبراهيم !!




  [1]  لو 22 : 14 – 20
  [2]  رؤ 5 : 9 

No comments:

Post a Comment