Sunday, November 17, 2013

تقديس الأنا .. وأبلسة الخصم


ظل سر في حياتي سرمدي
 ولا يزال خافيا
كيف يجد الإنسان سموه
في اضطهاد بني جنسه ؟!
                                   غاندي

الإهداء  ..
إلى كل من يحاول
إلى كل من يسأل
إلى كل من يشـُك
إلى كل متواضع
إلى كل نسبي

لمن نسمع ؟!
لمن نصغي ؟!
لمن نـُسلم مقاليد الأمور ليقود معنا دفة أحلامنا البسيطة نحو التحقق ..
نحو التجسد .. نحو التحضر والتقدم والرقي .. والحياة الأفضل
لهؤلاء الذين يظنون أنهم الأعلون ..
مـُلاّك الحقيقة المطلقة .. سفراء السماء .. خلفاء الله على الأرض
الذين قسموا العالم إلى نصفين .. مؤمن وكافر
مولود من فوق .. وغير مولود أساساً
روحي .. وجسدي
إنساني .. وحيواني
شعب الله .. وشعب الشيطان
خيط أبيض .. وخيط أسود
وحي مقدس .. وأبجدية ترابية
هالة نورانية .. وشبح مخيف
أرض الموعد .. وأرض التيه
إيمان خالد .. وعيان فاني
فردوس أخضر .. وهاوية موحشة

وسطاء .. وقطيع
أوصياء .. وقـُصـّر
أمراء .. وعبيد

من نادوا بإله متواضع .. ليتكبروا
ومن نادوا بإله يخدم ويغسل أرجل تلاميذه .. ليخدموا ويتحكموا
من نادوا بإله يـُحب ويغفر .. ليدينوا ويرجموا
ومن نادوا بإله يأخذ العشور .. ليأخذوا هم الباقي كله
من نادوا بإله يتأنسن .. ليتألهوا

وها أشلاء الأرواح والأجساد في كل مكان ..
وصدام الحضارات على أيدي هؤلاء  من يدّعون أنها نبوءة الإله
شهوة الإله تدمير العالم .. تجريف الأرض
لكي ينتصروا هـُم
لينتصروا .. من إدعوا محبة الأعداء !
لينتصروا .. من أعلنوا كرههم للأعداء
أولاد الملكوت .. وشعب الله المُختار.. وخير أمة !
على حساب من ينتصرون ؟ لا يـُهم !
على حساب الأطفال الرُضّع .. والعجائز .. فراشات الأرض .. لا يـُهم
المهم .. أن ينتصروا !!

المهم تتحقق النبوات كما يفهمونها .. كما يقرأونها !!
بأسلحة دمار .. بالذبح .. بتفخيخ الحياة بإسم الله .. لا يهم !

هل نصغي لهؤلاء ؟!
هل نسمع لهؤلاء ؟!
أم نصغي للوجه الآخر الذي يدَّعي التحضـُر والتطور ..
والحداثة وحقوق الإنسان ..
الذي يـُبهرنا في كل لحظة بإنجازاته العلمية ..
وفي نفس اللحظة يُبكينا ألماً عندما يتحول قلبه اللحمي إلى قلب حجري
لا يشفق إلا على فقرائه ولا يتحنن على أطفال الغير ..
عندما يجعلنا ميادين حربه لكي يسـِّوق لأسلحته ..
لكي تزدهر مصانعه الحربية الخرابية
عندما يتعامل مع الآخر باعتباره ليس آدمياً ولا حتى حيوانياً
وهو من أمطرنا برفقِه للحيوان .. ورقته المشكوك فيها الآن
وجهي لعملة إنسانية متكبرة ..
نرجسية إلى حد الثمالة .. إلى حد النخاع
إلى حد الدمار
- شمشون في نفس لحظة تجبره ينتحر -

في الوجه الأول تستخدم الإله المتواضع لتتكبر ..
الإله الخفي .. لتظهر
الإله الذي أعطانا الحرية .. لتحكم بالحديد والنار
ولتصلي وتصوم وتتصدق .. لتدخل فردوس جوعك
تؤمن لتربح .. حيث المصلحة القصوى .. الدنيا والآخرة
راحة الضمير .. وجنة الخـُلد
ليتحول الخاطيء إلى قديس أناني

والوجه الثاني .. تستخدم العقل العلم والمنطق
لكي تربح تـُخمة الاستهلاك .. والشرَّه الذي لا يشبع
على حساب كل شيء ..
فقراء .. جوعى .. أرامل .. أيتام .. مرضى .. أطفال
لا يهم .. الغاية تبرر الوسيلة
وجهي عملة النرجسية والرفاهية والأنا القاتلة
التي تستخدم كل شيء .. الإله .. الإنسان .. الحيوان .. الطبيعة
وتستهلك كل شيء .. وتـُشَّيء كل شيء
لكي تصبح هي مركز الكون .. ومركز المصلحة القصوى
خـُدام الهيكل .. دكاترة العلم ..
اللاهوتيين .. والعلمانيين
المؤمنين .. والملاحدة
من يريد أسلمة العالم .. أو من يريد تنصير العالم
أم من يريد إلحاد العالم
ولكن .. من يريد أن يحيا العالم ؟
من يريد أن يخلـُص العالم من أنانيته ؟
من اللاعدالة ، من اللا مساواة ، من القهر ، من الظلم ، من الفقر ، من المرض
من يريد أن يشبع الجميع مهما عبدوا ومهما اختلفوا ومهما كانوا ؟!
 من يريد أن يتحرر العالم مهما كان دينه ولونه ولغته وجنسه ؟!
من يتضع .. من يدرك أنه متغير .. ومتطور .. ومحدود .. ونسبي
وأنه لا يمكن أن يمتلك الحقيقة المـُطلقة ..
بل فقط يمكن أن يلمس هدب ثوبها ..
أو أن يسبح في نهرها الذي لا يـُعبر
نحن نحتاج للاهوتيين متضعين بحق ..
لم يهضموا الإله بعد
ولا يسمروه كل يوم
ولم ينخروا كنوزه
ولم يجعلوه من مقتنياتهم
ولم يجعلوه شمساً تشرق عليهم فقط
ومطراً يـُثمر أرضهم هم فقط
ولم يجعلوه طوفاناً يغرق غيرهم
ولا لعنة حقدهم
نحن نحتاج لمؤمنين كمسيحهم
لا مثل له في الحب
ولا مثل لهم

نحن نحتاج لعلمانيين متضعين بحق
لم يفقدوا إنسانيتهم أمام طاحونة التقنية ..
ولم يسجدوا في محراب العقل
ولم يحولوا العلم إلى صنم .. يـُسَبحوا له ليل نهار

فلتسقط الأصنام الذهنية والروحية والعلمية
ولتنقشع الهالات المزيفة وهلاوس التقديس
ولتصير حياتنا على الأرض .. متواضعة
منذ ميلادنا .. إلى لحظة موتنا
نمتحن كل شيء بتواضع .. نفحص كل شيء بتواضع
نسأل عن كل شيء بتواضع
ولتظل حياتنا ورقة إمتحاننا التي لن تـُصحح هنا والآن
لن نحاسب الآن .. لأنه لا يوجد أحد فينا يملك إستحقاق الديّان
لا تدينوا لكي لا تدانوا [1]
وليـُسقِط كل منا هواجسه بإمتلاك الحقيقة ..
وحـُكمه على الآخر بالضلال والتكفير

لتضيء شمعة كل منا للآخر طريقه
ليـُرمم حـُب كل منا للآخر ثغراته
ليغفر كل منا للآخر زلاته
فنصير أكثر إنسانية .. وأكثر نسبية
فمن يتضع يـتأنسن
فمن يتضع يـُثريه التعدد والتنوع
في البدء كان التعدد .. وإلى المنتهى يبقى التمايز
يتبخر التناحر ..
يصبح ليس له مكان بيننا حيث العدالة والحرية والمساواة والحـُب
حيث لا قاتل ولا إرهابي
ولا مـُكفـِر ولا متكبر
لا قايين ولا هابيل
لا أنا مقدس .. ولا آخر مدنس
فالله المحبة يريد أن الجميع يخلصون والى معرفة الحق يقبلون [2]

وسؤالي الذي ألقيه في وجه بركة كبرياء اللاهوتيين والعلمانيين .. المؤمنين والملحدين :
نعم .. قد تأنسن الله حقيقة أو افتراض يمكن أن تؤمن أو لا تؤمن به .. فأنت حُر
                        ولكن هل تأله الإنسان ؟!
                                                         هل تأنسن الإنسان ؟!





  [1]  مت 7 : 1
  [2]  1تي 2: 4

No comments:

Post a Comment