Monday, November 18, 2013

أورشليم غير الجغرافية


إشكالية ليست بجديدة .. إشكالية تقسيم العالم إلى قسمين ..
النور والظلمة .. الخير والشر .. اليهود والأمم ..
حتى بعد مجيء المسيح الذي شق الحجاب عن خداع الثنائية ..
فاكتشفنا أن ليس كل من يدَّعي أنه نور .. هو نور
وليس كل من يـُتـَهم بالظلمة .. هو ظلام دامس
وليس كل من يرفع شعار الخير .. خـَيـِّر
وليس كل من يقف خلف قضبان الشر .. شرير
وليس كل ملاك يظهر وهو يرتدي ملابس بيضاء .. هو من الله
وليس كل من له قرنان وذيل ووشاح أسود داكن .. هو إبليس
وليس كل اليهود شعب الله .. وليس كل الأمم نجسين وضالين 
وليس كل هيكل .. بيت للصلاة يـُدعى ..
وليس كل بيت عادي لا يمتلئ بحضور وهيبة الله

المسيح شق الحجاب عن الداخل .. عن الجوهر
عن القلب منبع الأفكار والسلوك ..
شق النقاب عن وجوههم الحقيقية ..
فصارت وجوه الكهنة والكتبة والفريسيين مرادفة تماماً لوجه المرأة المُمسكة في ذات الفعل
وصارت الهياكل وكراً من أوكار اللصوص
وصارت ذبيحة الستر ذبيحة عري
مرآة تكشف قساوة القلب وموت الروح

لأجل ذلك وأكثر لم يقدر اليهود المؤمنين بالمسيح في طفولتهم الإيمانية والروحية أن يدركوا ويتخلوا عن تراثهم العقائدي والطقسي والتقليدي الذي أعاقهم كثيراً عن اكتشاف سر التقوى ..

لم يدركوا أن كل ما هو قديم هو ظل الحقيقة التي استـُعلنت في المسيح ..
وأن الختان وحفظ الناموس لا ينبغي أن يكونا نير على عنق تلاميذ المسيح الجدد ..
الذين حررهم الابن فصاروا أحراراً بحق .. من كل عبودية .. ومن كل نير .. ومن كل ظل للحقيقة ..
فالله هو الذي افتقد الأمم ليأخذ منهم شعباً على اسمه .. يحمل رسالته ونوره للعالم أجمع
ولكن خاصته لم تقبله .. ولم تعكس مجده كمرآه لامعة ..

شعب محدود أراد أن يمتلك إله لا محدود ..
شعب تخيل أن لله أرضاً تحتويه .. ومقراً لإقامته الدائمة ..
ورائحة ذبائح لا يهدأ ولا يستكين إلا عندما يشتمها ..
وطقوس وشموع وبخور تـُحـضـِّره ..
وتقليد هو تقاليد الناس .. مفاهيم الناس .. أوهام الناس ..
أصبحت تـُرادف الوحي .. تنافس الوحي ..
نير وضعوه على أعناق البشر .. وعلى ما أظن أنهم وضعوه على عنق الإله

شعب لم يقدر أن يوسِّع تخوم بصيرته الضيقة .. المـُعتمة .. والقاسية في بعض الوقت ..
لم يقدر أن يتخيل إله محب .. محب للجميع ..
اليهود .. والأمم .. وكل الكون
من يتخيل أن بالخبز ( المن والسلوى ) وحده يحيا الإنسان ..
لا يقدر أن يكتشف الكلمة ..
الكلمة .. المخبأ فيه كنوز الحكمة والمعرفة ..
الكلمة .. هو سر الحياة .. جوهر الحياة ..
الكلمة .. هو الطريق .. والحق .. والحياة
شعب لا ينظر إلا أسفل قدميه حيث التراب .. وكنوز الفناء ..
والأحلام الوقتية والسرابية التي مازال يلمع زيفها إلى الآن

شعب .. انشق حجاب هيكله ولم ينشق حجاب روحه ..
فلم يرَ .. لم يعرف أن النور قد جاء إلى العالم ..
وأن رهبة الحضور في تابوت العهد .. وعدم قدرته أن يلمس هدب هذا الحضور في وجود وحضور قدس الأقداس .. سـُمـِّر هذا الشعب بإرادته في الدار الخارجية

لم يعلم أن هذا الزمن القديم قد ولـَّى ..
وأنه الآن وجهاً لوجه مع رسم جوهره .. مع بكر كل خليقة ..
الذي به وفيه وله كل الأشياء .. الكلمة الذي كان منذ البدء

شعب يواجه الله الظاهر في الجسد وجهاً لوجه
لم يصدقوا .. لم يعرفوا .. لم يؤمنوا ..
جدفوا .. جادلوا .. وفي النهاية صلبوه
معلقاً على خشبة العار وحده

شعبه .. خاصته .. من انتظروا مجيئه قروناً ..
من تخيلوا أنهم أكثر أمناء الأرض وشعب الله المختار
المحتكرين فك شفرة الإله ..
صلبوه .. !!!!
" بالحق الكبرياء يضل حتى الملائكة .. "

" طوبى للمتضعين لأنهم يحملون قبس من قلب الله "


وها الله الذي نعرفه .. الذي كان منذ البدء يشرق شمسه على الجميع ..
ويمطر على الصالحين والطالحين ..
الله المحبة .. أعطى كل من قبلوه .. من الأخيار والأشرار ..
من اليهود والأمم .. أن يصيروا أولاده ..
حدقة عينه .. لذته وسروره ..
عروسه التي تحمل كل ألوان الطيف ..
من كل أمة .. وشعب .. وقبيلة .. ولسان
جسد يسوع المتنوع .. الرحب .. غير العنصري
المـُحلق .. الثوري .. غير المروَّض ..
حيث الوطن السماوي .. وليس الوطن الأرضي ..
أورشليم السماوية .. وليست الجغرافية
الخالدة .. وليست الفانية
التي بلا عيب ولا دنس ..
غير المليئة بالتشقق ولا التلوث ولا الدماء ..
التي تحتضن وتحتوي الجميع .. وليست الرافضة والطاردة والمنتهكة للجميع
شعب الله الحقيقي الذي يعكس حبه .. مجده .. شفائه .. حريته .. وتواضعه
الذي تراه فتمجد الإله .. ولا تنكره
الذي تراه فيصيبك بشظايا النور .. والملح النقي .. فيقيم روحك الميتة
وليس من يصيبك بشظايا البارود
فيفقأ عين طفلك ..
ويبتر أيدي حبيبتك ..
ويهديك لأمك في عيد ميلادها في كفن ملطخ بالدماء
شعب يحِّول قطعة من الأرض كانت تفيض يوماً لبناً وعسلاً إلى قطعة تفيض شوكاً ومـُراً ودهاء
شعب الله الحقيقي لا تخطئه العين ..
ولا توصد في وجهه أبواب قلوب الأطفال
شعب الله المـُحب .. المـُحـَرر .. العادل
كنيسته المجيدة التي تنتظرها الأرض كلها ..
تنتظر استعلانها .. استعلانها الذي ستراه كل عين
وستسمع به كل أذن ..
ما لا يخطر على قلب إنسان
حيث كمال الجمال .. وكمال الحب .. وكمال الحرية ..

كمال مجد أولاد الله


 


 

No comments:

Post a Comment