" عظيم هو سر التقوى الله ظهر في الجسد "
تتفرد
وتتميز المسيحية بهذا الإعلان العظيم .. بهذا الشخص الذي لا ريب فيه " يسوع المسيح " هذا
الشخص الوحيد في تاريخ البشرية الذي يقدر أن يدَّعي الألوهية.
فقد
حيَّر عقول أعدائه كما حيـَّر المؤمنين به
اليهود
يسألون آية واليونانيين يطلبون حكمة
ولكننا
نحن نكرز بالمسيح مصلوباً لليهود عثرة ولليونانيين جهالة
هذه
الحيرة لم تكن يوماً ضد المسيح ، وبالذات هذه الحيرة المخلصة والنزيهة ، التي لم
يخَـف منها المسيح .. ولا التلاميذ الحقيقيون المستعدون دائماً لمجاوبة كل من
يسألهم عن سبب الرجاء الذي فيهم .
لأنه
إذا كان الإيمان ضد العيان فلم ولن يكون ضد العقل ، بل على العكس ..
فالمسيح
يسوع هو الكلمة .. والمخبأ فيه كنوز الحكمة والمعرفة ، هو الذي حذرنا إذ قال " تضلون إذ لا تعرفون الكتب ولا قوة
الله " .. وهو الذي واجه من ألفي عام أعلى طبقة من مفكري شعبه ، وكانت
قوة بـُرهانه وهزيمة طبقة الكهنة والسلطة أمامه في ذلك الوقت سبباً رئيسياً في
تحالفهم عليه وصلبه .
فيسوع
المسيح أعلن ألوهيته بالقول والفعل ، وبحياة بلا دنس ولا عيب .. حياة تمتلئ بالفكر
الإلهي العميق وبالحب الإلهي غير المحدود الذي مازال إلى الآن يروي كثيرين .. ويشفي
كثيرين .. ويـُحرر كثيرين .
كان
مولده فريداً بعيداً عن كبرياء القصور ومذلة الأكواخ ورياء الهيكل .
ومازال
المسيح هو نبع المبادئ الإنسانية .. ومازال هو جوهر الحق .. وجوهر العدل .. وجوهر
المساواة .. ومازال يشرق شمسه على الفقراء والحزانى والمظلومين والمضطهدين .
المسيح
الذي يحيا فينا ليحيينا على صورة الله .. يـُحيي الإنسان بلا تفرقة أو تمييز كما
قال القديس " فرنسيس دي لاسال " :
"الإنسان
هو كمال الكون ، والعقل كمال الإنسان ، والحب كمال العقل ، والمحبة كمال الحب"
لقد
أعطى المسيح الوصية لأجل الإنسان .. ولكن ضل الإنسان وملأ الهيكل بالصيارفة
وبائعي الحمام وتجار الكلام .
وتفشى
داخل الكنيسة نوع من الإلحاد العملي يعمل على انفصام حقيقة التجسد التي تعلن بكل
وضوح ، أن تحب الذي تراه (الإنسان) كما تحب الذي لا تراه (الله) ، وتكشف عن مشيئة
الله الذي يريد أن يكون كما في السماء كذلك على الأرض ، وتكشف عن غاية الله وهي أن
نكون مشابهين صورة ابنه يسوع المسيح .
ولكن
ياللأسف فكثير من المؤمنين اليوم مـُغلق عليهم كفن المخدع وغياهب وهدوء وسلام أهل
الكهف .. وخداع أهل الكهف .. وسلبية أهل الكهف.
ومازال
المسيح يصرخ للآب لست أسأل أن تأخذهم من العالم بل أن تحفظهم من الشرير .
ومازال
المسيح يصرخ فينا ولنا ويقول أنتم نور العالم .. أنتم ملح الأرض .
ومازال
الكثير منا يـُلحد بهذا المسيح الحقيقي الذي عاش لأجل الإنسان .. وصَلبـه الإنسان ..
وقام لأجل الإنسان .
ويعلن
لنا أن الحب الحقيقي هو الطريق والحق والحياة ، لأن الله محبة .
فاغتراب
الكنيسة عن العالم هو نوع من الإلحاد المزيف لأنه ليس إلحاد صريح وليس إيمان
حقيقي.
ونسأل
بعد كل ذلك لماذا ينتشر الفساد في الأرض ؟!
ولماذا
ينتصر الظلم والفقر والشر في العالم ؟!
وها هو الشاعر أمل دنقل يقول :
لا تحلموا بالعالم السعيد
فخلف كل قيصر يموت
قيصر جديد.
هاملت يقول
:
" إن قوة الضمير جعلتنا جميعاً جبناء "
!
فولتير
يقول :
" رجل الدين الغبي الجاهل يثير احتقارنا
..
ورجل الدين الشرير الرديء يولـِّد الجزع في
نفوسنا
إنما رجل الدين الناضج المتسامح البعيد عن
الخرافات فهو الجدير بحبنا واحترامنا . "
أفلاطون يقول
:
" مجانين إذ لم نستطع أن نفكر
ومتعصبون إذا لم نرد أن نفكر
وعبيد إذا لم نجرؤ أن نفكر "
ولكننا
نحن أبناء الله لا نحلم بتغيير العالم فقط ، بل نحن
شركاء الطبيعة الإلهية ، وعاملون معه في تنوير العالم وتمليح الأرض .
ونحن
غير جبناء لأن محبة الله طردت الخوف والجبن والخنوع ، ونحن نستطيع أن نفكر .. ونريد
أن نفكر .. ونجرؤ أن نفكر ، لأن دعوة المسيح لنا هي دعوة لمعرفة الحق وهي دعوة
للحرية بحق .
المسيح
يقول :
اذهبوا للعالم أجمع .. للإنسان المخلوق على صورة الله ، لأن صورة الله قد
تشوهت في الإنسان ، والإنسان مسئول عن هذا التشوه ، والإنسان مسئول عن الحروب وعن
الفقر وعن القهر وعن الإباحية وعن التخلف الحضاري والأخلاقي.
لم
ينفصل ولم يغترب المسيح عن الخطاة وعن العشارين وعن الفقراء بل على العكس تماماً ،
أحبهم .. وغفر لهم .. وحررهم .. وأطعمهم .. وشفاهم .
فالمسيح
الحقيقي بعيد كل البعد عن هذا التبلد الوجداني وهذا البله العقلي وهذا الاغتراب
السلبي الموجود في بعض المؤمنين به .
وهذا
النموذج السلبي من المؤمنين يؤكد كلمات ماركس التي تقول :
"
إن الدين أفيون للشعوب . "
ويقول " فويرباخ " :
"
عن الاغتراب الديني أنه يسلب الإنسان صفاته الجوهرية ويمنحها لذلك الوجود المقدس
المفارق ، ولذلك يشعر الإنسان المغترب بالعجز والخواء والضعف ، ويضع الله في مرتبة
أعلى منه كنقيض لذاته . "
ويقول " ألبير كامو " :
"
إن غياب الإنسان معناه حضور الله ، وغياب الإله معناه حضور الإنسان ، وبالتمرد يتم
إسقاط مملكة السماء ، ويملك المتمرد مسئولية خلق العدالة والنظام والوحدة . "
ويقول " كيركيجارد " :
"
إن ما نخاطر به هو الاختيار بين الفرد والتجمع ، وبين الشخصية الإنسانية والحشد ،
بين الحرية والعبودية ، بين المسيح الحقيقة وبين المسيح اللاحقيقة بين حياة مسئولة
ومستقلة في المعرفة والفعل وبين حياة زائفة حالمة . "
ويقول "ألبير كامو" :
"
عن الوثبة الإيمانية هي نوع من الانتحار الفكري أو الفلسفي ، وبهذه الوثبة ينفي
الفكر نفسه وهذا هو الفرار من إشكاليات الحياة ومن اللامعقول ، وبالنسبة للوجوديين
فإن النفي هو الله ."
ولكننا نعلن كمسيحيين مصريين
إننا
نمتلئ بالرجاء .. الذي يدفعنا لنغير العالم ، لنشفي منكسري القلوب ، لنطلق
المأسورين للحرية .. حرية مجد أولاد الله .
لأن المحبة التي انسكبت في قلوبنا هي عطية وعمل
الروح القدس فينا ، وكل حب للآخر وكل غفران للأعداء هو عمل المسيح فينا .
المسيح
الذي غيَّرنا وجعلنا خليقة جديدة ، تحترم الآخر وترفض الخنوع والخضوع الأعمى.
المسيح
الذي جعلنا نمتحن كل شيء حتى الكهنة وهيكل الله . المسيح الذي نعرفه مسيح
الاستنارة والوعي والمنتمي دائماً للفقراء والمظلومين والمضطهدين .
المسيح
لم يكن يوماً أفيون نغيب به عن وعي الحقيقة والنضال من أجل الإنسان . لا يقدر أحد
أن يثبت أن المسيح كان مغترب هذا الاغتراب السلبي ، بل على العكس تماماً يعلن
التجسد عن اتحاد الله بنا وباحتياجاتنا وبآلامنا.
فالمسيح هو برومثيوس الذي سـُرَّ به الآب.
والمسيحية
الحقيقية هي كمال الحب الإلهي وكمال الحب الإنساني ، تحمل طريق الخلاص من الخطية
والأنانية والاكتفائية والصنمية .
لذلك
نعلن افتخارنا وانبهارنا بيسوع المسيح إلهنا ، الذي يكشف زيف ادعاء بعض الفلاسفة
والمفكرين ، لأن ثغرات وضلال كهنة الأمس كان ضدها يهوه وكان ضدها المسيح . وثغرات كنيسة العصور الوسطى وبعض كنائس اليوم
ضدها المسيح وتلاميذ المسيح الحقيقيين.
إن
أخطاء نيتشه وماركس وسارتر تكمن في أنهم جميعاً خلطوا بين المسيح والكنيسة .. بين
الله الحقيقي والبشر .. بين إله بلا أهواء وبشر تتحكم فيهم الأهواء .
بين
الله الذي أحب الإنسان لدرجة التجسد والاتحاد بكل آلامه ومشاكله واحتياجاته
واغترابه .. وبين الإنسان الأناني الذي وَّظف كل شيء لصالحه ، حتى المسيح استخدمه
الإنسان
ياللأسف !
وبدل من أن يكفر الإنسان بالإنسان كفر بالمسيح
وبدل من أن يطالب بالإفراج عن المسيح طالب
بالإفراج عن براباس .
No comments:
Post a Comment